المنجي بوسنينة

65

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

بالموازاة إلى ذلك في قسم الفلسفة أيضا ، حرصا منه شأن بقية رفاقه ، على الجمع في دراسته بين أكثر من اختصاص ، لاستزادة التكوين والتثقيف ، فضلا عمّا يمكن أن يتوفّر له من فرص أكثر للتشغيل عند العودة إلى بلاده . وقد مثلث آنذاك رسائله إلى عائلته من بلاد الغربة ، سؤالا دائما عن واقع البلاد الاقتصادي والاجتماعي زمن الأزمة العالميّة ، وحنينا إلى الأهل والوطن ؛ فكان ذلك أوّل علامات صلة علي البلهوان بعالم السياسة والسياسيين ، كما أنّ صلته بأندري جيد ( AndreGide ) المفكر والأديب الفرنسي قد نبّهته إلى جوانب أخرى من المسألة السياسية سيّما ما يخصّ إدانة الاستعمار وسلوك الاستعماريين المتغطرسين . ولئن لم ينخرط عليّ البلهوان ضمن زمرة الطلبة التونسيين الذين أقبل جلّهم على دراسة الحقوق أو العلوم السياسيّة ، إلّا أنّ التزامه السياسي كان لافتا للانتباه منذ البداية بباريس ، سيّما أنّه انتمى إلى مجموعة سان ميشال ( Saint Michel ) صحبة الزعيم صالح بن يوسف ، والمنجي سليم ، وهي المجموعة التي عرفت بشعبيّتها وانخراطها التلقائي في العمل السياسي ليس فقط بفعل التقاليد التي وجدت داخلها ، وإنّما أيضا بفعل الجذور الاجتماعية للمنتسبين إليها . ويبدو أنّ اقتناعه بأنّ العمل التعبويّ الاجتماعي منه أو السياسيّ هو عمل جماعي بالأساس فقد « قذفه » منذ سنته الأولى بباريس إلى الانخراط بجمعيّة طلبة شمال إفريقيا المسلمين فانتخب في مؤتمر 1932 عضوا بمكتبها مدافعا عن مصالح الطلبة وشواغلهم الفكريّة والحضاريّة ، مساهما في مؤتمر الجمعيّة الثاني المنعقد بالجزائر في صائفة 1932 بتقرير حول « تدريس اللغة العربية بتونس » ملتمسا الأسباب لتطويرها . ثمّ تعدّدت نشاطاته ضمن العمل السياسي المباشر ، فساهم في خريف 1934 في بعث لجنة الدفاع عن الحرّيات بتونس صحبة عدد من الطلبة التونسيين كانوا على اتصال وثيق ببعض البرلمانيين الفرنسيين ، كما خطب نيابة عن طلبة شمال إفريقيا في المؤتمر الدولي للطلبة المناهض للحرب والفاشية المنعقد ببروكسال في آخر ديسمبر 1934 داعيا في خطابه إلى الوقوف صفّا واحدا ضدّ الاستمعار والتمييز العنصري . وربما مثلت قدرته الخطابية أحد أهمّ خصاله السياسيّة الفرديّة ممّا أثار استقطاب مستمعيه وإقناعهم فضلا عن شدّ انتباه الشباب إليه ضمن محاضرات كان يلقيها على منابر الجمعيات ( الجمعية الخلدونية - جمعية قدماء الصادقيّة . . . ) ، أو حتّى في الهواء الطلق ( مقهى الناظور بسيدي بوسعيد ) ، بما يبعث الشعور بالنخوة نحو الوطن ويحفز الهمم . وقد واصل إبلاغ ذات الرسالة ضمن دروسه بالمعهد الصادقي منذ عودته إلى البلاد إذ تمّ تعيينه أستاذا لتدريس اللغة العربيّة منذ 1 - 10 - 1935 دون أن يقلع عن أنشطته السياسية رغم التزامه بذلك في 20 - 11 - 1935 ، وربّما كان لوقع نبرة صوته القويّ ، ولغته الفصحى المبسّطة وانتظام أفكاره في سلاسة دون كلفة ، ما جمع حوله القلوب ، فكان من تلاميذه ممّن سيكونون من النخبة السياسيّة الفاعلة كالطيّب المهيري ، ومصطفى الفيلالي ، وعزّوز الرباعي ، وغيرهم كثر .